ابن قيم الجوزية
270
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
وجلالي إن أتاني ليلا قبلته . وإن أتاني نهارا قبلته . وإن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا . وإن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا . وإن مشى إليّ هرولت إليه ، وإن استغفرني غفرت له . وإن استقالني أقلته . وإن تاب إليّ تبت عليه . من أعظم مني جودا وكرما . وأنا الجواد الكريم ؟ عبيدي يبيتون يبارزونني بالعظائم ، وأنا أكلؤهم في مضاجعهم . وأحرسهم على فرشهم . من أقبل إليّ تلقيته من بعيد . ومن ترك لأجلي أعطيته فوق المزيد . ومن تصرف بحولي وقوتي ألنت له الحديد . ومن أراد مرادي أردت ما يريد . أهل ذكري أهل مجالستي . وأهل شكري أهل زيادتي . وأهل طاعتي أهل كرامتي . وأهل معصيتي لا أقنّطهم من رحمتي . إن تابوا إليّ فأنا حبيبهم . وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم . أبتليهم بالمصائب . لأطهّرهم من المعايب » . ولنقتصر على هذا القدر من ذكر « التوبة » وأحكامها وثمراتها . فإنه ما أطيل الكلام فيها إلا لفرط الحاجة والضرورة إلى معرفتها ، ومعرفة أحكامها ، وتفاصيلها ومسائلها . واللّه الموفق لمراعاة ذلك . والقيام به عملا وحالا . كما وفق له علما ومعرفة . فما خاب من توكل عليه . ولاذ به ولجأ إليه . ولا حول ولا قوة إلا باللّه . منزلة التوبة قد علمت أن من نزل في منزل « التوبة » وقام في مقامها نزل في جميع منازل الإسلام . فإن « التوبة » الكاملة متضمنة لها . وهي مندرجة فيها . ولكن لا بد من إفرادها بالذكر والتفصيل . تبيينا لحقائقها وخواصها وشروطها . فإذا استقرت قدمه في منزل « التوبة » نزل بعده منزل « الإنابة » وقد أمر اللّه تعالى بها في كتابه . وأثنى على خليله بها ، فقال وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ [ الزّمر : 54 ] وقال إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ( 75 ) [ هود : 75 ] وأخبر أن آياته إنما يتبصر بها ويتذكر أهل الإنابة . فقال أَ فَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّماءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْناها وَزَيَّنَّاها وَما لَها مِنْ فُرُوجٍ ( 6 ) وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) [ ق : الآيات 6 - 8 ] وقال تعالى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) [ غافر : 13 ] وقال تعالى مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ [ الرّوم : 31 ] الآية . « فمنيبين » منصوب على الحال من الضمير المستكن في قوله « فأقم وجهك » لأن هذا الخطاب له ولأمته . أي أقم وجهك أنت وأمتك منيبين إليه . نظيره قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [ الطّلاق : 1 ] ويجوز أن يكون حالا من المفعول في قوله « فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها » أي فطرهم منيبين إليه . فلو خلّوا وفطرهم لما عدلت عن الإنابة إليه . ولكنها تتحوّل وتتغير عما فطرت عليه . كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « ما من مولود إلا يولد على الفطرة - وفي رواية : على الملة - حتى يعرب عنه لسانه » وقال عن نبيه داود فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ [ ص : 24 ] وأخبر أن ثوابه وجنته لأهل الخشية والإنابة . فقال وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ ( 31 ) هذا ما تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ ( 32 ) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ وَجاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ( 33 ) ادْخُلُوها بِسَلامٍ [ ق : 31 - 34 ] وأخبر سبحانه أن البشرى منه إنما هي لأهل الإنابة . فقال : وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى [ الزّمر : 17 ] .